النويري

8

نهاية الأرب في فنون الأدب

في ذلك ؛ فقال : أبادره باليتم ، قبل أن يبادرني بالعقوق . ومرّ أعرابىّ وفي يده رغيف برجل في يده سيف ، فقال : بعني هذا السيف بهذا الرغيف ؛ فقال : أمجنون أنت ؟ فقال الأعرابىّ : ما أنكرت منى ؟ أنظر أيهما أحسن أثرا في البطن . وحكى أن المهدىّ خرج للصيد فغلبه فرسه حتى انتهى به إلى خباء لأعرابىّ ، فقال : يا أعرابىّ ، هل من قرى ؟ قال نعم ، وأخرج له فضلة من خبز ملَّة فأكلها وفضلة من لبن فسقاه ، ثم أتى بنبيذ في زكرة « 1 » فسقاه قعبا « 2 » . فلما شرب قال : أتدري من أنا ؟ قال : لا واللَّه . قال : أنا من خدم الخاصّة ؛ قال : بارك لك اللَّه في موضعك . ثم سقاه آخر ؛ فلمّا شربه قال : أتدري من أنا ؟ قال : نعم ، زعمت أنك من خدم الخاصة ؛ قال : بل أنا من قوّاد أمير المؤمنين ؛ فقال له الأعرابىّ : رحبت بلادك ؛ وطاب مزادك ومرادك . ثم سقاه قدحا ثالثا ؛ فلما فرغ منه قال : يا أعرابىّ ، أتدري من أنا ؟ قال : زعمت أخيرا أنك من قوّاد أمير المؤمنين ؛ قال : لا ولكني أمير المؤمنين . فأخذ الأعرابىّ الزكاة فأوكاها « 3 » وقال : واللَّه لئن شربت الرابع لتقولنّ : إنك لرسول اللَّه ؛ فضحك المهدىّ . ثم أحاطت بهم الخيل ، فنزل أبناء الملوك والأشراف ؛ فطار قلب الأعرابىّ ؛ فقال له المهدىّ : لا بأس عليك ! وأمر له بصلة . فقال : أشهد أنك صادق ، ولو ادّعيت الرابعة لخرجت منها . ودخل أعرابىّ على يزيد بن المهلَّب وهو على فرشه والناس سماطان ، فقال : كيف أصبح الأمير ؟ قال يزيد : كما تحبّ . فقال الأعرابىّ : لو كنت كما أحبّ كنت أنت مكاني وأنا مكانك ؛ فضحك يزيد .

--> « 1 » الزكرة ( بالضم ) : زق للخمر . « 2 » القعب : القدح الضخم . « 3 » أوكاها : ربطها .